ثورة الفقراء والعمال.. احتجاجات شاملة تتحدى القمع وتدهور الحقوق في إيران
ثورة الفقراء والعمال.. احتجاجات شاملة تتحدى القمع وتدهور الحقوق في إيران
دخلت الاحتجاجات الشعبية في إيران مرحلة جديدة من التصعيد، مع إعلان منظمات عمالية ومتقاعدين وقوى سياسية دعمهم العلني لما يجري في الشوارع، واصفين ما تشهده البلاد بأنه انتفاضة شاملة تحمل ملامح ثورة اجتماعية وسياسية، في ظل تدهور غير مسبوق في الأوضاع المعيشية والاقتصادية واتساع رقعة القمع.
وفي بيان صدر الأحد ونقلته شبكة "إيران إنترناشيونال"، أعلن اتحاد العمال الحر في إيران تأييده الكامل للاحتجاجات الجارية، داعيا العمال في مختلف أنحاء البلاد إلى المشاركة الفاعلة، ولا سيما في القطاعات الاستراتيجية مثل النفط والصلب وصناعة السيارات، ومؤكدا أن ما يجري يتجاوز كونه تحركا مطلبيا ليصل إلى مستوى التحول السياسي.
صرخة مجتمع منهك
ووصف الاتحاد ما تشهده المدن الإيرانية من احتجاجات بأنه صرخة شعب أنهكه الفقر والتضخم والغلاء والقمع، في ظل انهيار اقتصادي وتفكك اجتماعي وفساد متجذر، معتبرا أن هذه الأوضاع ليست طارئة بل نتيجة تراكمات طويلة من انعدام الحقوق وفرض سياسات قمعية على المجتمع.
وأشار البيان إلى أن الاحتجاجات الحالية تمثل امتدادا طبيعيا لانتفاضات سابقة واجهها النظام بالقوة المفرطة، محولا إياها إلى مواجهات دامية، لكنها تعود اليوم بزخم جديد يعكس إصرار الشارع على إنهاء ما وصفه بالجحيم القائم وبناء مجتمع ديمقراطي حر يقوم على العدالة وينبذ التمييز والقهر والاستغلال.
الدولة العاجزة والقمع المستمر
وأكد اتحاد العمال الحر أن الجمهورية الإيرانية باتت عاجزة عن تلبية أبسط مقومات الحياة الإنسانية، مثل تأمين المياه والكهرباء والطاقة والهواء النظيف، ورغم ذلك تواصل التشبث بالسلطة عبر القمع وإرسال قوات الأمن إلى الشوارع، وتحويل الاحتجاجات السلمية إلى مواجهات دامية في محاولة لاحتواء موجة التغيير.
ورأى التنظيم العمالي أن الشعب الإيراني، الذي يعاني من التشرد والإنهاك، لم يعد لديه ما يخسره، ولم يعد مستعدا لتحمل الواقع القائم حتى لفترة قصيرة، في وقت يعجز فيه النظام عن تقديم أي حلول حقيقية أو حتى تحسينات محدودة للأوضاع.
وذهب البيان إلى توصيف الاحتجاجات بوصفها ثورة، مشيرا إلى أنها قد تمر بمراحل صعود وهبوط، لكنها لن تتوقف عن الحركة والتقدم، لأن جذورها راسخة في الحركات الاجتماعية الكبرى، مثل الحركة العمالية، وحركة المعلمين، وحركة المتقاعدين، والحركات المناهضة للإعدام والمدافعة عن حقوق الإنسان، إضافة إلى حركة النساء التي باتت ركنا أساسيا في أي حراك تغييري داخل إيران.
دعم عمالي ومتقاعدون يؤكدون استمرار الاحتجاج
وفي موازاة ذلك، أصدرت أربع منظمات تمثل العمال والمتقاعدين بيانا مشتركا أعلنت فيه دعمها للاحتجاجات الشعبية، من بينها نقابة عمال قصب السكر في هفت تبه، ولجنة التنسيق للمساعدة في إنشاء منظمات عمالية مستقلة، والعمال المتقاعدون في خوزستان، ومجموعة اتحاد المتقاعدين.
وأكدت هذه المنظمات أن تجدد موجات الغضب في مدن متعددة يعكس عمق الفوضى المسيطرة على البلاد واستحالة استمرار مستويات اللامساواة القائمة، في ظل أوضاع معيشية خانقة تغرق فيها الجماهير يوما بعد يوم.
ورأت أن قطاعات واسعة من الشعب، وعلى رأسها العمال والمعلمون وكادحو المدن والقرى والنساء والشباب والقوميات المضطهدة، باتت تدرك بشكل متزايد أن لا أمل في الطمأنينة أو الاستقرار أو الرفاه الاجتماعي في ظل النظام الحالي، وأن أي حديث عن مستقبل مشرق لم يعد مقنعا.
أزمات بنيوية لا حلول لها
وحملت المنظمات الأربع النظام الإيراني مسؤولية الفقر المدقع والتضخم المتصاعد وارتفاع الأسعار، معتبرة أن هذه الأزمات ناتجة عن بنية نظام اقتصادي رأسمالي مأزوم يخلق الأزمات ويغذيها، وأن الجمهورية الإيرانية لا ترغب ولا تستطيع تخفيف هذه الأزمات، لأن بقاءها مرتبط باستمرار الاستغلال والاضطهاد.
وأضاف البيان أن أي محاولة لإحداث تغيير اقتصادي أو اجتماعي حقيقي من شأنها أن تهز أسس الحكم، وهو ما يفسر الرد العنيف على أي مطالب شعبية، حتى تلك المتعلقة بأبسط الحقوق المعيشية، عبر القمع والاعتقالات والقتل.
وأكدت المنظمات أن التعويل على القمع لإسكات أصوات الاحتجاج قد يمنح السلطات شعورا مؤقتا بالسيطرة، لكنه وهم سرعان ما يتبدد، مشددة على أن صوت الجماهير لن يُسكت، وأن الصراع الاجتماعي سيستمر.
امتداد تاريخي للاحتجاج
واستشهدت هذه القوى بتجارب السنوات الماضية، مشيرة إلى أن النظام لم ينجح، حتى في أكثر فترات القمع شراسة، في إخضاع المجتمع أو دفعه إلى الصمت والاستسلام، معتبرة أن النصر يكمن في التضامن وتعزيز صفوف القوى التقدمية وتعاون العمال والكادحين.
وكانت نقابة عمال شركة الحافلات في طهران وضواحيها، ومجلس متقاعدي إيران، وعدد من منظمات المعلمين، قد أعلنوا سابقا دعمهم للاحتجاجات الشاملة، في مؤشر على اتساع قاعدة المؤيدين للحراك.
دور القوى السياسية والقومية
من جهته، أعلن حزب كومله كردستان إيران دعمه الكامل للانتفاضة الشاملة التي يقودها الشعب الإيراني في يناير 2026، مدينا قمع المتظاهرين، وداعيا إلى توسيع الإضرابات والانخراط في الاحتجاجات الميدانية لتعزيز زخم الحركة.
وأشار الحزب إلى أن جذور الاحتجاجات تعود إلى التدهور الحاد في قيمة الريال والتضخم الجامح والأزمة الاقتصادية العميقة الناتجة عن سياسات وصفها بالفاشلة والمدمرة، موضحا أن الاحتجاجات بدأت بمطالب اقتصادية قبل أن تتحول بسرعة إلى حراك سياسي واسع شمل مدنا ومحافظات عدة.
وسلط البيان الضوء على مظاهر الغضب الشعبي المرتبطة بالتمييز والفساد والبطالة واتساع رقعة الفقر، منتقدا لجوء السلطات إلى العنف المفرط وإطلاق النار المباشر، ومشيرا إلى سقوط قتلى وإصابة عشرات المتظاهرين وفقا لتقارير ميدانية وإعلامية.
ورأى الحزب أن الانتفاضة الحالية امتداد طبيعي لاحتجاجات ديسمبر 2017 ونوفمبر 2019 وحراك المرأة الحياة الحرية عام 2022، معتبرا أن النظام فقد شرعيته داخليا ويواجه عزلة دولية متزايدة، وأن قسما واسعا من المجتمع بات مقتنعا بأن تفكيك بنية النظام السياسي هو السبيل الوحيد للخلاص.
شهدت إيران خلال العقد الأخير موجات متكررة من الاحتجاجات الشعبية، بدأت بمطالب اقتصادية مرتبطة بارتفاع الأسعار والبطالة وتراجع القدرة الشرائية، لكنها سرعان ما تحولت إلى حراك سياسي واجتماعي أوسع يطالب بالعدالة والحقوق والحريات، وتفاقمت الأزمات مع العقوبات الدولية وسوء الإدارة الاقتصادية، ما أدى إلى تآكل الطبقة الوسطى واتساع رقعة الفقر، وفي المقابل، اعتمدت السلطات على القمع والأجهزة الأمنية لاحتواء الغضب الشعبي، دون تقديم حلول جذرية، ويعكس اتساع مشاركة العمال والمتقاعدين والمعلمين والنساء والقوميات المختلفة في الاحتجاجات الحالية تحولا نوعيا، يشير إلى أن الأزمة لم تعد قطاعية أو ظرفية، بل باتت أزمة بنيوية تمس مستقبل النظام والمجتمع على حد سواء.











